منتديات قبيلة السهول  

العودة   منتديات قبيلة السهول > المنتديات الشعبية والأدبية > منتدى الادب والثقافة

منتدى الادب والثقافة خاطرة ، قصة ، شعر فصيح ، مقال

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 10-01-2005, 02:36 AM   #1
][ اسيل ][
عضو مشارك
 
تاريخ التسجيل: 7 / 9 / 2004
الدولة: مدينة الأحلام
المشاركات: 265
افتراضي *** أشهر جواسيس المواساد العرب *** (( بدون مقص الرقيب ))

[align=center]من أشهر جواسيس الموساد العرب[/align]



[align=center]نبيل نحاس ورحلة الموت الجميل . . [/align]

[align=center]أشرس جواسيس إسرائيل في مصر، ظل يمارس تجسسه وخيانته في الظل لمدة "13 عاماً" متتالية، بعيداً عن أعين جهاز المخابرات المصرية، وعند سقوطه. . أصيبت المخابرات الإسرائيلية بلطمة شديدة أفقدتها توازنها. فقد تزامن سقوطه مع سقوط جواسيس آخرين اكتشف أمرهم، وفقدت الموساد بذلك مصدراً حيوياً من مصادرها في مصر، الذين أمدوها بمعلومات غاية في الأهمية طوال هذه السنوات بلا تعب أو كلل.

فقد كانت الجاسوسية عند نبيل النحاس قد وصلت الى درجة الصقل والاحتراف، بعدما تعدت مراحلها الابتدائية الأولى، وتحولت مهنة التجسس عنده الى أستاذية في التخفي والتمويه والبحث عن مصادر المعلومات. ووصلت درجة الثقة في معلوماته عند جهاز الموساد لمدى شاسع من الجدية والتأكيد.


جونايدا روتي

حوت التحقيقات التي أجريت مع العديد من الخونة بمعرفة المخابرات العربية . . سواء في مصر أو في سوريا أو العراق أسراراً مذهلة عن كيفية انتقاء الجواسيس . . فمراكز المخابرات الاسرائيلية بكافة فروعها – شأنها كشأن كافة أجهزة المخابرات الأخرى – تتخذ من النظرية القائلة بأن لدى كل إنسان نقطة ضعف.. ولكل إنسان ثمن . .نقطة انطلاق للتنقيب عن ضعاف النفوس واصطيادهم .. وتخضع عملية الإيقاع بهم والسيطرة عليهم لخطوات معقدة وشائكة.
من هذا المنطلق .. أجاد رجال الموساد استخدام هذه النظرية باتساع . . دون اعتبارات للشرف أو للفضيلة . . وأخذوا يطرقون كل السبل لتجنيد عملاء لها في كل مكان. فمن كان يبحث عن المال وجد ضالته لديهم.. ومن كان يسعى وراء نزواته وشهوته قذفوا اليه بأجمل نسائهم. . ومن ضاقت به الحياة في بلده أمنوا له عملاً وهمياً يقوده في النهاية الى مصيدة الجاسوسية، دون أن يدري.

فالملاحظ. . أن "العميل" في الغالب لا يعرف أنه أصبح "عميلاً" في بداية تجنيده. . بل يكتشف ذلك بنفسه بعد انغماسه في التجسس .. وتكون شباك الجاسوسية قد كبلته وأطبقت عليه . . ولم تعد لديه أية وسيلة للفكاك.
حينئذ .. كالآلة الصماء يضطر الى العمل دون إدراك للعواقب. .

والمثير في الأمر . . أن هناك بعض الجواسيس الذين سقطوا في قبضة المخابرات العربية كانوا يجهلون أنهم عملاء لإسرائيل. . وتبين لهم ذلك فقط عندما ووجهوا بالحقائق والأدلة التي تدينهم وتؤكد تورطهم. . ومن خلال اعترافات بعضهم – فتحي رزق، محمد أحمد حسن، جان ليون توماس، فؤاد محرم، سمير باسيلي. . الخ – نجد حقائق مثيرة عن كيفية اصطيادهم وتجنيدهم . . حيث يستخدم صائدوا الجواسيس كل أسلحة التأثير النفسي والمغريات المختلفة لإذابة تركيزهم واحتوائهم. . فلكل صيد "طعم" خاص به يلقى اليه . . ومن خلال قصص الجواسيس التي بين أيدينا نجد أن بينها تشابهاً كبيراً. . ولا تكاد تختلف إحداها عن الأخرى إلا من ناحية تنوع الأسماء والأماكن والمواقف. ذلك أن صائدي الجواسيس في المخابرات الاسرائيلية لهم ميزة عجيبة وصفة واحدة .. وهي أن لكل منهم أنف كلب الصيد الذي يدرك مكان الفريسة بالشم ويحدد مكانها بدقة . . الى جانب رادار حساس في أذنيه. . يضاف الى ذلك "الكرم" الذي يصل لدرجة البذخ أحياناً. . واتقان شديد للغة العربية وعادات شعوبها.


هذه الصفات مجتمعة تؤمن للصياد أن يكتشف مكامن الضعف في الفريسة .. التي تكون على وشك الإفلاس . . أو قد تكون مصابة بانحراف جنسي . . أو تحلم بعلاقات حميمة مع ملكات الفتنة والأنوثة.
هذا ما حدث بالضبط مع الجاسوس "نبيل النحاس" الذي عبد الشهوة فأغرقته وأرقته.. وبسببها كان اصطياده سهلاً .. بسيطاً. . وما أسهل تصيد عشاق الجنس وعبدة اللذة.

تمتد جذور أسرته الى "حاصبيا" في محافظة لبنان الجنوبية وتقع على نهر الحاصباني وبعد سنوات طويلة انتقلت الأسرة الى "كفر شيما" بمنطقة الشويفات جنوبي بيروت ومن هناك الى مصر وأقام والده بالسويس، وتزوج من فتاة مصرية أنجبت له "نبيل" عام 1936.

كان الطفل يحمل ملامح والده الشامي الأشقر وعذوبة أمه المصرية. . وتميز منذ الصغر بذكاء شديد يفوق أقرانه .. فتنبأ له الجميع بمستقبل مضمون ونجاح أكيد. .

وتلاحقت السنون سراعاً ونجح نبيل النحاس في الثانوية العامة والتحق بجامعة القاهرة طالباً بكلية التجارة. . وبخطوات واثقة شق طريقه نحو الحياة العملية بعد تخرجه متفوقاً. . تراوده طموحات لا حدود لها. .
ولم يطل به الانتظار طويلاً . . إذ سرعان ما عمل سكرتيراً في منظمة الشعوب الأفرو آسيوية التي كان يرأسها الأديب يوسف السباعي . . وكان عمله كتابة محاضر الجلسات والمؤتمرات على الآلة الكاتبة.

ومن خلال وظيفته وموقعه.. توسعت علاقاته وتشبعت .. وتبلورت شخصيته الجديدة التي نضجت مع ملاحة ورجولة تلفت انتباه الحسان .. وتجعل منه مأملاً لهن . . فأحطنه بدلالهن ليقطف منهن من يشاء ..
وبمرور الشهور استشعر نبيل النحاس ضآلة راتبه الذي تعدى المائة جنيه .. في ذات الوقت الذي كان فيه راتب زميله في مكان آخر لا يتعدى الخمسة عشر جنيهاً في ذلك الوقت عام 1959. . فعمله المرموق كان يتطلب مظهراً حسناً وملابس أنيقة تتناسب ومكانته .. الى جانب حاجته للإنفاق على معيشته وعلى علاقاته النسائية وملذاته.. خاصة .. وقد ارتبط بعلاقة حميمة بفتاة أفريقية من كوناكري في غينيا . . فانجرف معها الى محيطات المتعة يجدف بلا كلل. كان اسمها "جونايدا روتي" .. خيزرانية القوام أبنوسية اللون رائعة الخلقة .. تعمل مراسلة صحفية لعدة صحف أفريقية وعالمية.

استطاعت جونايدا أن تمتلك عقله وتنسيه أية امرأة سواها. . فأغدق عليها بالهدايا حتى تعثرت أحواله المالية .. فوجد الحل لديها لإنقاذه من تعثره عندما عرضت عليه أن يطلب إجازة من عمله بالمنظمة .. والانضمام الى إحدى وكالات الأنباء العالمية كمراسل مقابل راتب كبير مغر..
وكانت أولى المهام التي أوكلت إليه السفر الى منطقة الصحراء المغربية "ريودي أورو" ومن "فيلاشيز نيروس" و "العيون" يستطيع أن ينقل أخبار الصراع السري الدائر بين المملكة المغربية وموريتانيا . . صراع النفوذ على المنطقة المحصورة بينهما.

كانت سعادته بالمهمة الجديدة عظيمة .. حيث ستتاح له فرصة اللحاق بالساحرة الأفريقية – جونايدا – التي سبقته الى كوناكري. . وطار النحاس الى الدار البيضاء تحفه أحلام المغامرة والثقة في الغد.



الطريق المختصر


هناك – في الدار البيضاء – كانت بانتظاره مفاجأة بدلت مجرى حياته كلها .. إذ تعرف إليه في بهو الفندق رجل مغربي .. يهودي .. عرف منه وجهته .. فعرض عليه مساعدته لدخول ريودي أورو عن طريق أعوان له في "سيدي أفني" أقصى جنوب المغرب .. وكيفية اجتياز "وادي درعة" للوصول الى الحدود.

سر نبيل النحاس للصدفة الجميلة التي ما توقعها.. واحتفاء بالمراسل الصحفي الوسيم .. أعد له المضيف وليمة غداء بمنزله في "أزمور" الساحرة. . التي تقع على نهر "أم الربيع" وتشرف على ساحل المحيط الأطلنطي.
وفي منزل تحيطه الحدائق والزهور في بانوراما طبيعية رائعة .. كانت تنتظره المفاجأة .. إنها "مليكة" اليهودية المغربية التي تستحوذ على جمال فتان لم تره عين من قبل . .
كانت في الواحدة والعشرين من عمرها .. إذا خطت . . تحركت الفتنة وترجرجت تحت ثيابها . . وإذا تأودت . . أغرقت الدنيا بهاء وحسناً. . وإذا تحدثت .. تموجت الأنغام سكرى على شفتيها. . وأربكت حدود العقل وأركانه.

أذهل جمالها المراسل الصحفي الجديد فنسي مهمته في الجنوب .. وذابت جونايدا الى القاع أمام سحر مليكة .. فقد أفقدته "حسناء أزمور" الوعي والرشاد .. وطيرت عقله الى سفوح المتعة. . فأقبل يلعق عناقيد الفتنة بين يديها . . ويتعبد منتشياً في محرابها مسلوب القرار .. فعندما يخوص الجسد بحار النشوة .. يغوس متلذذاً بالغرق لا يرجو خلاصاً من الموت الجميل.

الأيام تمر وفتانا نسي مهمته.. وقبع كطفل غرير بين أحضان مليكة التي أحكمت شباكها حوله وسيطرت على مجامع حواسه .. وحولته الى خادم يلبي طائعاً رغباتها.. وينقاد لرأيها ..دون أن يشك ولو للحظة في كونها يهودية تسعى لاصطياده في خطة محبوكة ماهرة أعدتها جونايدا سلفاً في القاهرة.

وبعدما فرغت جيوبه . . أفاق على موقفه السيء بلا نقود في بلاد الغربة .. وتمنى لو انه كان يملك الملايين ليظل الى جانب مليكة لا يفارقها أبداً. .
ولما قرأت فتاته أفكاره .. طمأنته . . وعرضت عليه السفر معها الى باريس حيث الحرية والعمل والثراء .. وبلا وعي وافقها .. ورافقها الى عاصمة النور والجمال ومأوى الجواسيس .. وهناك لم يفق أو ينتبه الى حقيقة وجوده بين فكي كماشة ستؤلمه عضاتها حتماً ذات يوم. . ولما أيقنت أنه سقط في براثنها بلا قوة تؤازره وتدفعه لمقاومتها. . نبهته – بالتلميح – الى ضرورة إدراك حقيقة لا بد أن يعيها .. وهي أنها يهودية تدين بالولاء لإسرائيل حتى وإن كانت مغربية المولد .. ولغتها عربية فرنسية. .

وعندما استقرأ المراسل الصحفي مستقبله معها . . كانت الصورة أمامه مهتزة .. إذ خلقت منه أصابع مليكة الناعمة طفلاً لا يعي .. وأبلهاً لا يقرر .. وأعمى لا يرى تحت قدميه.

أقام معها في شقة رائعة .. وكانت تنفق عليه بتوفير فرصة عمل له من خلال أصدقائها في باريس. . واستدعت من أعماقه كل جوانب ضعفه وجنونه . . واستدرجته للحديث في السياسة فأفاض بغزارة ..
وأسر إليها بما لديه من معلومات عن المنظمة الأفرو آسيوية . . وعن أشخاص بعينهم يمثلون رموزاً هامة في المجتمع الدولي .. وحدثها عن علاقاته بكبار المسؤولين في مصر .. وكانت كل تلك الأحاديث مسجلة بالصوت والصورة .. الى جانب تسجيلات أخرى أثناء استعراضه لفحولته عارياً بين أحضان عميلة الموساد.

كان "باسكينر" ضابط الموساد يراقب كل شيء . . ويدرس شخصية نبيل النحاس باستفاضة . . ولما حانت الفرصة المناسبة .. عرفته مليكة بفتاها .. وقدمته اليه على أنه رجل أعمال إسرائيلي يدير شركة كبرى للشحن الجوي تمتد فروعها في كل القارات .. وكان رد الفعل عند المراسل الصحفي يكاد يكون طبيعياً. . فهو يسعى الى المال أينما وجد .. وسواء تحصل عليه من يهودي أو هندوسي فلا فرق .. المهم هو الكم.

استخلص الضابط الامحنك حقيقة مؤداها أن الشاب المصري يريد المال ومليكة معاً. . فتولى أمره . . وتعهده ليصنع منه جاسوساً ملماً بفنون الجاسوسية.. وكانت المناقشات بينهما تبدو طبيعية لا غبار عليها .. ثم تطرق باسكينر شيئاً فشيئاً الى هويته. . وموقف العرب من إسرائيل. . واتجاهات الدبلوماسية العربية إزاء الوجود الإسرائيلي في المنطقة. .
في أحاديثه أيضاً تطرق الى عمليات الموساد الخارقة في البلاد العربية .. وكيف أنها تدفع بسخاء الى عملائها . . وتحرص على حمايتهم إذا انكشف أحدهم .. ونوّه – من بعيد – عن التسجيلات الصوتية والأفلام التي بحوزتهم . . والأسرار التي تحويها هذه الشرائط، وأنها قد تهلك أصحابها إذا ما وقعت في أيدي المخابرات العربية.
لم يكن نبيل النحاس غبياً بالدرجة التي تجعله يجهل ما يرمي إليه باسكينر . . أو يتجاهله .. إذ استوعب نواياه ومقصده . . وكان تعليقه الوحيد أنه شخصياً يتعاطف مع إسرائيل .. وأن تعاطفه هذا عن قناعة تبلورت من خلال قراءاته في تاريخ اليهود.

بذلك . . اختصر نبيل النحاس الطريق الطويل أمام باسكينر .. وخطا أولى خطواته الفعلية على درب الخيانة .. والخسة. .
أبقى باسكينر مليكة الى جوار الجاسوس الجديد. . فوجودها مهم للغاية في تلك المرحلة الأولى من الإعداد والتدريب .. ذلك لأن خضوعه كان مرهوناً بوجودها .. الى جانب آلاف الدولارات التي ملأت جيوبه فأسكرته . . وأنسته عروبته. . فقد كانت تمنحه النعيم ليلاً بينما يدربه باسكينر وزملاؤه نهاراً. .
كانت أولى دروس الخيانة هي كيفية استدراج ذوي المراكز الحساسة للحديث في أمور يصعب تناولها . . وتتعلق بأسرار الدولة .. واستغلال حفلات الخمر والجنس في الوصول الى أسرار غاية في الأهمية .. الى جانب ضرورة تزويد الموساد بنسخة طبق الأصل من محاضر مؤتمرات المنظمة الأفرو آسيوية التي سيعود لعلمه بها من جديد.

علموه أيضاً كيفية قراءة التقارير والأوراق بالمقلوب على مكاتب المسؤولين الكبار عند زياراته لهم . . واختزان الصور والرسوم والمعلومات التي يطلع عليها بذاكرته .. ثم يقوم بتسجيلها كتابة بعد ذلك . . وكيفية مراقبة المواقع العسكرية على الطريق ما بين القاهرة والسويس وكتابة تقارير وافية عن مشاهداته وإن كانت تافهة .. ويقوم بإرسالها – بواسطة الحبر السري – الى أحد العناوين في باريس – مقر الموساد المختص بجواسيس الشرق الأوسط – الذي يقوم بتجميع الأخبار والتقارير التي تفد إليه من قبرص وأثينا وبروكسل وروما فيرسلها بدوره الى تل أبيب.



أهلاً بك في وطنك

ابتدأ النشاط التجسسي الفعلي لنبيل النحاس في منتصف عام 1960 .. فقد عاد الى عمله بالمنظمة .. وكانت وظيفته ساتر طبيعي يختفي خلفه .. ولا يثير أية شبهات من حوله..
واستطاع من خلال علاقاته الهامة استخلاص معلومات لا يتوقف سيلها. . كانت تصل الى المخابرات الاسرائيلية أولاً بأول .. وبالتالي .. يتحصل على مقابل مادي ضخم يتسلمه في القاهرة بطرق ملتوية عديدة..
وبعد عامين تقريباً. . استدعى الى باريس في مهمة عاجلة .. حيث كان بانتظاره باسكينر .. الذي عهد به الى ضابط إسرائيلي آخر استطاع تدريبه على كيفية ترويج الإشاعات .. والتأثير سلبياً على الرأي العام من خلال تجمعات الأوساط المختلفة في مصر، ولقنع الكثير من أساليب الحرب النفسية والتأثير السيكولوجي، اعتماداً على لياقته ومقدرته الفذة على الإقناع، الى جانب ترسيخ فكرة الخوف من الإسرائيليين لدى المحيطين به، واستبيان آرائهم تجاه العدو وقدرات الجيوش العربية على مواجهته.

وبعد مرور عدة سنوات – كان نبيل النحاس من أنشط جواسيس إسرائيل في مصر. لقد نسي مليكة، ولم يعد يعرف لها وجهاً بعدما أدت مهمتها خير قيام. بينما انشغل هو بجمع أموال الموساد التي هيأت له فرص التعرف بالكثيرات غيرها، فالأموال طائلة والوثائق الهامة تقيم، والنساء على كل الألوان.

وفي مرحلة أخرى من مراحل صناعة الجواسيس المحترفين – أعد له برنامج تدريبي أكثر خطورة في بيروت، إذ تم إخضاعه لدورة تدريبية بواسطة خبير متفجرات عميل للموساد، فتعلم كيفية صنع المتفجرات، وتفخيخ الرسائل والطرود والتخفي والتمويه والهرب والتنكر.

لقد أرادوا أن يخلقوا منه جاسوساً فاعلاً وخبيراً في الأعمال الإرهابية والتدمير في مصر. وكان الخائن أشد قابلية للتشكل والتمحور وتنفيذ مخططات العدو ولو بقتل الأبرياء، وبعدما فرت من أعماقه دلائل العروبة، وسرت بشرايينه دماء تحوي كرات الخيانة بكل الصور.

لذلك .. تعاون بإخلاص مع الموساد في تهديد الخبراء الألمان، الذين يعملون في المصانع الحربية المصرية لإنتاج الصواريخ والأسلحة المتطورة .. بتوجيه الرسائل المتفجرة الى بعضهم، بالاشتراك ضمناً مع "يوهان وولفجانج لوتز" عميل الموساد الشهير في القاهرة الذي ألقى القبض عليه في فبراير 1965 ولم يجر إعدامه.

وبرغم عدم اكتشاف أمره – إلا أن نبيل النحاس لم يتوقف بعد سقوط لوتز، واحتل مرتبة الصدارة لدى المخابرات الاسرائيلية في المنطقة. وقام بدور حيوي في نقل أسرار عسكرية وحيوية الى إسرائيل قبل نكسة يونيو 1967 . . ساعدت العدو على اجتياح الأراضي المصرية واحتلال سيناء. واعتبر نبيل النحاس نجاح إسرائيل في هزيمة العرب نتاج تعاونه معهم وإمدادهم بوثائق خطيرة وتقارير تشكل الصورة الواقعية للعسكرية المصرية .
وفي عام 1968 أفرجت مصر عن "لوتز" في صقفة مع إسرائيل للإفراج عن عدد كبير من أسرى الحرب لديها. وأحس نبيل بالزهو، فالصفقة منحته قدراً هائلاً من الثقة في مخابرات اسرائيل التي لا تترك جواسيسها وعملاءها نهباً للقلق، إذ تسعى لمبادلتهم وبأي ثمن حماية للجواسيس الآخرين الذين يعملون في الخفاء، ويتملكهم الرعب عند سقوط أحدهم في قبضة المخابرات العربية.
لقد اطمأن أخيراً على مستقبله في حالة سقوطه، فسوف تتم مبادلته هو الآخر ليعيش بقية حياته في إحدى الفيلات الرائعة بإسرائيل، ينعم بالأمن وبالأموال الكثيرة.

هذا الهاجس الذي عاشه، جعل منه خائناً خطيراً لا يتورع عن بيع أي شيء ذي أهمية لإسرائيل. . وكانت زيارته الى تل أبيب حلماً يراوده، وأملاً ينشده. لقد أراد أن يرى إسرائيل من الداخل ويتجول بين مدنها ويتخير لنفسه بيتاً نماسباً قد يسكنه ذات يوم. وأعدوا له برنامجاً مشحوناً ينتظره قبل زيارته لإسرائيل بعدة أسابيع، وأثناء تواجده في أثينا. . كانت خطة سفره قد اكتملت.

ففي غفلة عن الأنظار اختفى نبيل فجأة من فندق "بوزايدون". . وفي المطار كان ثمة رجل أشقر تغطي وجهه نظارة سوداء، ويرتدي معطفاً ترتفع ياقته لتخفي بقية وجهه، يحمل جواز سفر إسرائيلياً باسم "شاؤول ياريف" ولا يتحدث مع أحد. خطواته الواثقة قادته الى السيارة التي أقلته حتى طائرة العال الإسرائيلية الرابضة على الممر، وعن قرب كان يتبعه رجل آخر لا يبدو أنه يعرفه.. إنه باسكينر ضابط الموساد الذي خلق منه جاسوساً محترفاً، وفي مطار بن جوريون كانت تنتظره سيارة ليموزين سوداء ذات ستائر، سرعان ما دلف اليها .. فأقلته الى مكان لا يعرفه سوى قلة من ضباط الموساد الذين استقبلوه بحفاوة بالغة.

وفي مكتب "زيفي زامير" رئيس الموساد الجديد كان اللقاء أكثر حرارة، إذ ترك زامير مكتبه وجلس قبالته يتأمل وجهه العربي الصديق، وعرض عليه خدمات الموساد فاختار الخائن أولاً أن يلتقي بالسيدة جولدا مائير، فصحبه الى هناك حيث اصطف أكثر من خمسة وعشرين جنرالاً إسرائيلياً لتحيته، واحتضنه أحدهم قائلاً له "أهلاً بك في وطنك إسرائيل" وصافحته جولدا مائير بحرارة، وأمرت بتلبية كل مطالبه ولو كانت مستحيلة. وقالت لزامير: "شكراً على هديتك الرائعة التي جلبتها لإسرائيل" وعلق الخائن قائلاً:

لم أكن أحلم قبل اليوم بأكثر مما أنا فيه الآن. أشعر أنني بين أهلي، ويكفيني هذا الشعور سيدتي.
وأمرت له رئيسة الوزراء بمكافأة خاصة وقدرها خمسة وعشرين ألف دولار من مكتبها، بخلاف ما سيحصل عليه من أموال الموساد. .
وفي الفيلا التي نزل بها كانت مفاجأة مدهشة .. إنها مليكة .. أجمل النساء اللاتي أسكرنه ، والعميلة المحترفة التي أوقعت به صيداً سهلاً في شرك الجاسوسية لصالح الموساد. فجددت معه ذكرى الأيام الخوالي .. وأغدقت عليه من نبع أنوثتها شلالات من المتعة تمنحها له هذه المرة ليس بقصد تجنيده كما حدث في المغرب، بل لتكافئه على إخلاصه لإسرائيل.

لم تكن هناك فروق بين إحساس المتعة في الحالتين. فمليكة أنثى مدربة تعرف كيف تغرقه في بحورها. . وكلما أرادت إنتشاله جذبها مرات ومرات. فما أحلى الغرق في بحور فاتنة مثيرة، وما ألذه من موت جميل !!
ستة عشرة يوماً بين ربوع إسرائيل زائراً عزيزاً، عاد بعدها نبيل النحاس الى أثينا بآلاف الدولارات التي كوفئ بها من إسرائيل.. والتي زادته شراهة في الخيانة، وعبقرية في جلب المعلومات. .
فالمنطقة العربية تغلي كبركان على وشك الفوران والثورة .. والشعب العربي هديره مطالباً بالثأر يصم الأذان، وحالة ترقب في إسرائيل وانتظار لصحوة المارد العربي . . الذي سقط يتلوى يبغي الوقوف والصمود.



بكاء الذليل

كانت المهمة بالنسبة لنبيل أشد صعوبة برغم سنوات الخيانة والخبرة، وبرغم احتضان مصر له لم يحفظ لها الجميل بعدما تعهدته طفلاً، ونشأته صبياً، وعلمته شاباً، ونخرت الخيانة عظامه كالسوس يسعى لا علاج له سوى الهلاك والفناء. فبارد على الفور في استكشاف النوايا تجاه إسرائيل، ونشط في جمع أدق المعلومات عن تسليح الجيش، والمعدات الحديثة التي تصل سراً من الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية، وانغمس في ملذاته بصحبة فتيات الليل، يجلب لهن بعض المناصب والعارفين بالأمور العسكرية.

ومن خلال حفلات المجون كانت المعلومات تتناثر هنا وهناك، فيلتقطها بعقل واع يقظ ويدونها، ويبعث بها في الحال الى مكتب الموساد في جنيف.

وعندما تلقى رسالة مشفرة من رؤسائه تطلب منه معلومات مركزة عن حركة ميناء الاسكندرية، لم يتأخر في تنفيذ الأمر، وأسرع الى الاسكندرية للقاء صديق له يعمل في شركة تمارس نشاطات بحرية، وأغدق عليه بالهدايا الثمينة . . فانتبه صديقه لذلك وتساءل مع نفسه "لماذا"؟ وادعى جهله بأمور تجري بالميناء الحيوي .. فوجد إلحاحاً من الخائن يطلب منه تزويده بما يخفى عنه .. بحجة عمله كمراسل لوكالة أنباء دولية.

لم يكن نبيل يدرك مطلقاً أن صديقه قد انتابته الشكوك .. فبادر على الفور بإبلاغ المخابرات المصرية ووضع العميل تحت المراقبة الشديدة.
وبعد نصر أكتوبر 1973 صدم الخائن لهزيمة إسرائيل. وفي روما عنفه ضابط الموساد واتهمه بالإهمال الجسيم الذي أدى لهزيمتهم الساحقة أمام العرب. وأقسم له الخائن أنه لن يقصر، ولكن الضابط كان ثائراً ولم يستطع أن يخفي انفعاله وغضبه.

تخوف نبيل من فكرة الاستغناء عن خدماته للموساد.. لذلك عاد الى مصر في الرابع عشر من نوفمبر 1973 حانقاً، وبداخله تصميم قوي على "تعويض" هزيمة إسرائيل، وتملكه بالفعل اعتقاد بأنه أهمل في عمله ولم يكن دقيقاً في نقل نوايا المصريين.. وبنشاط مجنون أخذ يبحث عن مصادر لمعلومات وإجابات يحمل أسئلتها. وفي غمرة جنون البحث .. كانت المخابرات المصرية تلاصقه كظله وتريد ضبطه متلبساً بالتجسس.

وفي 24 نوفمبر 1973 – بعد عشرة أيام من عودته من روما – اقتحمت المخابرات المصرية شقته في القاهرة، وضبطت أدوات التجسس كاملة، فلم يستطع الإنكار وإنهار باكياً أمام المحققين. . وأدلى باعترافات تفصيلية ملأت مئات الصفحات، وهو لا يصدق أنه سقط بعد 13 عاماً كاملة في مهنة التجسس التي أجادها واحترفها. وقدم الى المحكمة العسكرية وظل لآخر لحظة ينتظر المفاجأة .. مفاجأة مبادلته والعودة الى "وطنه إسرائيل".
لكن خاب ظنه وقتل أمله . . فالجيش المصري كان هو الغالب المنتصر في أكتوبر 1973 .. والأسرى كانوا هذه المرة جنوداً إسرائيليين، وليس هناك أمل لمبادلته على الإطلاق.
لقد كانت إسرائيل في محنة ما بعدها محنة. ولا وقت هناك للتفكير في إنقاذ خائن باع وطنه رخيصاً، بحفنة من الدولارات، وبآهات غانية تتلوى بين أحضانه. .
وكمثل جواسيس خونة آخرين اكتشف أمرهم. . أنكرت إسرائيل معرفتها به، وتجاهلته ليموت ذليلاً لا ينفعه بكاء الندم .. أو تقيه أموال الموساد من حبل المشنقة.. !!




ولنا لقاء مع قصة خائن آخر




*
[/align]
__________________

التعديل الأخير تم بواسطة ][ اسيل ][ ; 10-01-2005 الساعة 02:38 AM
][ اسيل ][ غير متصل  
قديم 10-01-2005, 02:52 AM   #2
][ اسيل ][
عضو مشارك
 
تاريخ التسجيل: 7 / 9 / 2004
الدولة: مدينة الأحلام
المشاركات: 265
افتراضي

[align=center]وهانحن نعود مع قصة خائن آخر :


إعدام اليهود العراقيين الستة

يمكن للباحث المدقق أن يستخلص بسهولة، اختلاف منهج الجاسوسية الاسرائيلية في العراق عنه في سائر الدول العربية الأخرى. ذلك أن مخابرات إسرائيل ابتعدت تماماً عن اللجوء الى جواسيس "غرباء" من داخل القطر العراقي. . بل استثمرت – وبذكاء شديد – وجود الآلاف من اليهود العراقيين، في "تخريج" كوادر قادرة على تنفيذ أهدافها وسياساتها، مستغلة في ذلك تغلغلهم داخل نسيج المجتمع العراقي كله، من البصرة جنوباً، الى الموصل شمالاً.

فمنذ قيام الدولة اليهودية، حرص حكام إسرايئل على كسب تعاطف يهود العراق، وبناء جسور من الود والتواصل بينهم لتحقيق هدفين أساسيين:

أولهما: لتشجيعهم على الهجرة الى إسرائيل، لسد الفراغ الناشئ عن فرار السكان العرب بسبب المذابح الوحشية، وخلو قرى عربية بكاملها من سكانها.
ثانيهما: التجسس على العراق، جيشاً، وسياسة، واقتصاداً.


ولكي تضمن إسرائيل ولاء يهود العراق الكامل لها، والسعي الى الهجرة اليها، عمدت الى استخدام اساليب شيطانية ماكرة لإرهابهم، وتفجير بعض معابدهم، وقتل العديد منهم لإلقاء التبعية على السلطات العراقية، فنجحت بذلك فيما سعت اليه.

لقد كان اليهود في العراق لأحقاب طويلة خلت، ينعمون بالأمن والأمان، ويمارسون حياتهم وأعمالهم وطقوسهم في حرية بلا منغصات أو أحقاد، إلا أن خطط حكام إسرائيل، صورت لهم الحياة في العراق على أنها جحيم ما بعده جحيم. . ورسمت في أذهانهم صورة مثالية للحياة في "الوطن" الجديد.

ولأننا لسنا بصدد دراسة تاريخ وأحوال اليهود في العراق، فإنه يلح علينا السؤال:

لماذا تتجسس إسرائيل على العراق الذي لا يشترك معها في الحدود؟ ولا يعد من دول الواجهة؟

وللإجابة على ذلك نقول: إن العراق يمثل بالنسبة لإسرائيل عدو مبين، ومطمع ثمين، فشل تيودور هرتزل – أبو الصهيونية – في تحقيقه، منذ كتب في 4 يوليو 1903 الى عزت باشا العابد – رئيس الوزراء العثماني – يذكره بمقترحات سبق أن بعث بها اليه في مارس 1902، حول قروض يهودية للامبراطورية العثمانية، مقابل تحقيق الوعد الذي قطعه على نفسه للمنظمة الصهيونية، بالسماح بإقامة مستعمرات يهودية في العراق، وفي لواء عكا، عن طريق فتح الباب أمام الهجرة اليهودية.

فمنذ تحركت العصابة الصهيونية العالمية فعلياً، بعد مؤتمر بال بسويسرا عام 1897، رسمت مخططات شرسة للسيطرة على الاقتصاد العراقي، وإحكام القبضة اليهودية عليه، بواسطة أعداد اليهود الضخمة في العراق، التي اتجهت الغالبية العظمى منها – كما في بقية الدول العربية والعالم – الى العمل بالتجارة والاستثمار، والاستحواذ على أنشطة بعينها، تحكم من خلالها السيطرة على عصب الحياة الاقتصادية في الدولة، بامتلاك ناصية أمور التجارة والصرافة.

ونظراً للمناخ الآمن الذي يعيشون فيه، فكان أن تغلغلوا ببطء شديد داخل البنية الأساسية للحياة على العراق، وصاروا بالفعل جزءاً حيوياً مهماً في عجلة الاقتصاد.

وبرغم ابتعادهم عن الزراعة، إلا أنهم إمعاناً في الامتزاج والتداخل، اشتروا مساحات شاسعة من الأراضي، وشغلوا قرى وإقطاعيات بكاملها، حتى امتدت أراضيهم للمناطق الشمالية في نينوى، فتمركزوا بكثافة كبيرة في "دهوك" شمالي الموصل، وانتشر الآلاف منهم في بغداد. يمتهنون الحرف المختلفة، ويتبوأون المراكز الاقتصادية الهامة بصبر وسعي عجيب. بعض هؤلاء كانوا هم الركيزة الأساسية للجاسوسية الإسرائيلية في العراق.

من ناحية أخرى، بذلت إسرائيل جهوداً جبارة منذ قيامها، لكسر الطوق العربي المحيط بها، عن طريق الدخول في علاقات مصالح متشابكة مع إيران وتركيا، والدول الأفريقية الأخرى، لتطويق الدول العربية، وحصارها من الشمال والجنوب والشرق.

ففي الشمال والشرق، وهو ما يهمنا الآن، أسست المخابرات الاسرائيلية أواخر عام 1958، منطقة ثلاثية تسمى "ترايدانت TRAIDANT " بالاتفاق مع جهاز الأمن الوطني التركي "المخابرات"، والمنظمة الوطنية للاستخبارات "السافاك" في إيران. وبتوقيع هذه الاتفاقية، توفرت للموساد علاقات حميمة إضافية بهذين الجهازين، حيث نصت بنود الاتفاق على تنظيم تبادل مستمر للمعلومات، بالإضافة الى اجتماعات شبه دورية على مستوى رؤساء الأجهزة الثلاثة. وأيضاً، نص الاتفاق الأصلي مع تركيا، على إضفاء الشرعية على الارتباط الاستخباراتي بين البلدين، على أن تقدم الموساد معلومات حول نشاط عملاء السوفييت في تركيا، وكذا العملاء الذين يعملون ضد الأتراك في الشرق الأوسط، مقابل إمداد الإسرائيليين بمعلومات حول ما يمكن أن يؤثر على أمن الدولة اليهودية من النوايا السياسية والعسكرية للدولة العربية، وحول نشاط وشخصيات عملاء "الجمهورية العربية المتحدة" – "هكذا في النص" – الذين يعملون ضد إسرائيل.

إن الغرض الأساسي للعلاقة الاستخبارية بين إسرائيل وتركيا، يكمن في تطويق العراق وسوريا من الشمال، وأيضاً، تطويق العراق من جهة الشرق، بإقامة علاقة وطيدة بالنظام في إيران.

هكذا عملت الدولة اليهودية على تنمية سياساتها مع الإيرانيين لمعاداة العرب، ودخلت في "عمليات" مشتركة مع السافاك الدموي منذ أواخر الخمسينيات، ودعمت أكراد العراق لزعزعة استقرار الحكم في بغداد.

ولكي ترتكز الموساد على أرض صلبة في إيران، قدمت للسافاك معلومات وافية من اتجاهات السياسة في العراق، والنشاط الشيوعي في البلاد العربية المؤثرة على إيران.

لقد تصاعدت علاقة التنسيق الاستخباري بين الجهازين، لتصل الى القمة في منتصف الستينيات، خاصة بعدما ازداد التوغل السوفييتي في المنطقة العربية، مما اضطر شاه إيران لفتح الأبواب السرية المغلقة لرجال الموساد، وإسباغ صفة الشرعية على عملياتهم الاستخبارية ضد العراق، إذ جعل من المناطق المتاخمة للحدود العراقية نقاط انطلاق، ومراكز لتجنيد وتدريب الجواسيس العراقيين على اختلاف الملل والاتجاهات، بل وكانت توجد بهذه المناطق محطات استقبال لاسلكية للمعلومات المتدفقة من بغداد.

لكل ذلك، أمكن لضباط المخابرات الإسرائيليين، أن ينعموا بالأمن والانتشار والتحرك، بمعاونة ضباط من السافاك، فاستطاعوا تكوين شبكات جاسوسية خطيرة ومتشعبة، تمد الموساد بما يشبه خريطة سير العمل اليومي، وسجل للحياة المختلفة في العراق، كما تقوم بتنفيذ المهام والأوامر التي تكلف بها، لرسم خطط السياسة الإسرائيلية واستراتيجيتها لكل مرحلة.

إن أهم ما كانت تسعى إسرائيل اليه هو العمل على هجرة يهود العراق. لذلك، اعتمدت وبشكل أساسي على عملائها في بغداد لضرب اليهود أنفسهم، والقيام بعمليات إرهابية ضدهم، تشككهم في نوايا العراقيين، فيندفعون وبقوة الى الهجرة ومغادرة مواطنهم الأصلية غير آسفين.

هذه كانت خطة الموساد ضد اليهود الآمنين، الذين استقروا وامتزجوا بالحياة بشتى صورها، حيث كان الإصرار على جلب اليهود يرتبط ارتباطاً قوياً بالرغبة العارمة في اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وتشريده، إما في الداخل كما حدث لمسيحي قريتي "أقرت" و "كفر برغم"، وإما الى خارج الحدود كما هو الحال بالنسبة للفلسطينيين النازحين الى الدول العربية المجاورة، هرباً من المذابح الجماعية الارهابية، التي اتخذها اليهود دستوراً لإقامة دولتهم.

لقد أرادوا "صهينة" فلسطين ونزع طابعها العربي عنها، وذلك بزرع المستوطنين الآتين من كل بقاع الأرض – ولا صلة بينهم إلا الدين ولا رابطة إلا العنصرية – مكان سكان البلد الأصليين.

لهذا السبب، لجأوا الى الارهاب الذي لم يقتصر على الشعب الفلسطيني وحده، بل تعداه ليشمل كل العرب، والبريطانيين، والأمم المتحدة، حتى اليهود أنفسهم . ولأن العشرات من القرى العربية خلت من سكانها، فكان المطلوب، والهدف، هو إعمار هذه القرى المهجورة باليهود الجدد.

لقد وقع على الاستخبارات الاسرائيلية عبء هذا الأمر.. ومن أجل ذلك، تأسست في العراق عام 1942 منظمة سرية عرفت باسم :"حركة الرواد البابليين"، مهمتها تعليم الشباب اليهود كيفية استعمال الأسلحة وصنع المتفجرات، فتكون بذلك منظمة مستقلة لها أسلحتها ومجندوها، ومستعدة للعمل في أية لحظة طبقاً لبرنامج محدد مدروس، إلا أن ظهور معارضة شديدة بين يهود البلاد العربية ضد الحركة الصهيونية، أدى لانزعاج قادة الفكر الصهيوني وأداة سياساته.
وخوفاً من انتشار موجة المعارضة، كان اللجوء للإرهاب هو أقصر الطرق وأفضلها لوأد أية أصوات مضادة، تعرقل مسيرة الاستلاب والاحتلال.

من هنا .. تحركت المخابرات الاسرائيلية سريعاً، وأوكلت الى أحد عملائها في العراق مهمة تشكيل شبكة جاسوسية، تأخذ على عاتقها مسؤولية تهجير اليهود.

فماذا فعل العميل الاسرائيلي؟

إنها قصة عجيبة من قصص المخابرات والجاسوسية في العراق . . !!


إعدام الستة

ميدان "العلاوي" في بغداد يعتبر من الميادين الكبيرة .. المزدحمة. . تقع بأحد جوانبه محطة الأتوبيس الدولي عمان / بغداد، حيث تصطف عدة مقاه فسيحة، يملك إحداها يهودي عراقي، جذب اليها الكثيرين من اليهود الذين اعتادوا التلاقي بها، فكانوا يشكلون أغلب روادها، ولذلك سميت مقهى "اليهود".
وفي أحد أيام مارس 1950، وفد الى المقهى "زبون" غامض، كان يجلس بالساعات يشرب الشاي ويقرأ الصحف، واضعاً حقيبته الجلدية السمراء أسفل المائدة، متعمداً ألا يحادث أحداً أو يترك فرصة سانحة لذلك.

كان سخياً جداً مع الجرسون، كثير الاستئذان للخروج تاركاً حقيبته ليجري مكالمة هاتفية، سرعان ما يعود بعدها الى مكانه صامتاً.. تغطي نظارته السوداء التي حرص ألا يخلعها ملامحه.

وذات مرة، ترك حقبيته وصحيفته وخرج .. وبعد دقائق، دوى انفجار شديد دمر المقهى عن آخره، أسفر عن مقتل سبعة عشر يهودياً وأصيب ضعفهم أو يزيد.

الحادث المجهول ألقى الرعب في قلوب اليهود، خاصة والشرطة عجزت عن القبض على الفاعل، أو الاستدلال على شخصيته، إلا أنه لم تكد تمر عدة أيام، حتى انفجرت قنبلة أخرى في المعبد اليهودي المعروف باسم "ماسودا شيمتوف".. أدت الى مقتل طفل يهودي دون العاشرة، كان يلهو بالردهة الداخلية التي انفجرت بها القنبلة.
أسرع الموجودون بالمعبد بالفرار يحفهم الرعب، وأصيب العديد منهم أثناء الهرب، وللمرة الثانية، وقفت الشرطة عاجزة عن فك اللغز المحير.

وفي ذات الوقت الذي انطلقت فيه أبواع الدعاية الصهيونية، تصور الحادث على أنه مذبحة مدبرة من العراقيين ضد اليهود، توالت الانفجارات لترويع الآمنين، وكان لفشل رجال الأمن في إيقافها أو القبض على الجناة، عامل مساعد لتأكيد الإشاعات التي ملأت أرجاء العراق؛ وتناقلها اليهود في دهشة وهلع.

وبعد عام من الحادث الأول، كان "باسم الصايغ" يمشي بأحد شوارع بغداد عند الظهيرة. . يحمل أطناناً من المعاناة والهموم، فهو شاب فلسطيني أجبر على الفرار من فلسطين، هرباً من مذابح العصابات الارهابية التي نكلت بأفراد أسرته.

وبينما هو يمشي فوجئ بما لم يتوقعه أبداً، إذ شاهد ضابط مخابرات إسرائيلي ينتظر أمام فاترينة أحد المحلات. تمالك الشاب الفلسطيني نفسه وظل يراقبه عن بعد، وبحذر شديد اقتفى خطواته الى أن رآه يدلف الى مقهى، ويجلس بركن قصي.

كان باسم يثق تماماً في ذاكرته، فهذا الضابط كان أحد أفراد فرقة "الهاجاناه" الارهابية التي قتلت عمه وابن عمه أمام عينيه، فصورته المتوحشة لم تغب أبداً عن مخيلته، وللحظة . . فكر باقتحام المقهى وقتله ثأراً، لكن حسه الوطني منعه، فالإسرائيلي ما جاء الى بغداد حتماً إلا لمهمة سرية.

ومن أقرب تليفون، اتصل "باسم" بالشرطة التي جاءت على الفور وألقت القبض على الضابط الاسرائيلي.


ضد التعذيب . . ! !


أخضع الضابط الاسرائيلي لتحقيقات أمنية مطولة، لم تسفر عن شيء في البداية، برغم مواجهته بهويته السورية المزيفة، حيث لم ينهار أو يعترف، فأعيد استجوابه بأسلوب "التعامل" مع المجرمين، إذ جرد من ثيابه، وأودع حجرة ضيقة جداً، سلطت عليه فيها لمبات كهربائية شديدة الوهج، كفيلة بأن تجز مقاومته. . لكنه ظل يقاوم.

لقد دربوه في أكاديمية الجواسيس في الموساد على تحمل شتى أنواع التعذيب البدني والنفسي، بما فيه الجوع والعطش، والحرمان من النوم لفترات طويلة ، فكان برغم قسوة "التعامل" معه، يبدو في كامل صلابته وإرادته.

لكن ضابطاً عراقياً خبيراً – كان قد جاء لتوه من موسكو وقد تدرب جيداً على كيفية استجواب الخونة – أمسك بالكماشة ونزع ظُفر إصبعه الوسطى، فاندهش أمام ذلك الخنزير الذي لا يحس بالألم. وتساءل الضابط العراقي في نفسه: ألهذا الحد دربوه في إسرائيل؟ أظافر يده اليسرى بكاملها انتزعت، ولا يزال مصراً على أنه سوري من "السويداء" في الجنوب. وعندما غمس الضابط العراقي يده في الماء المملح، لم يتحمل الاسرائيلي صاعقة الألم التي نهشت بدنه، فصرخ وهو يتلوى، ويصيح في ذعر بأنه ضابط مخابرات إسرائيلي، جاء الى العراق بأوراق مزورة للاتصال بأحد العملاء اليهود.

وبالقبض على العميل العراقي "يعقوب الكالب" بمنزله القريب من ساحة الوثبة بحي الرصافة، لم يستغرق التحقيق معه وقتاً طويلاً، إذ انهار حين مواجهته بالضابط الاسرائيلي، واعترف في الحال على أعوانه الأربعة في شبكة الجاسوسية، التي قامت بعمليات التفجير المروعة في بغداد وأدلى "الكالب" بتفاصيل مذهلة عن نوايا الموساد، والمخططات المرسومة لترويع اليهود لدفعهم الى الهجرة. كما أرشد عن مخابئ الأسلحة والذخيرة والمفرقعات بداخل المعابد اليهودية نفسها، وببعض المخازن على أطراف بغداد.

وأثناء محاكمة الجواسيس الستة بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، تبارت الصحف العراقية ووكالات الأنباء العالمية في نشر أخبار المحاكمة أولاً بأول، إلا أن إسرائيل خرجت كعادتها تنفي علاقتها بتفجيرات بغداد، أو بشبكة الجاسوسية، بل وادعت بأن "الضابط" الإسرائيلي لا صفة له بالمخابرات، فهو ينتمي لمنظمة متطرفة محظور نشاطها، واستمرت أبواق الدعاية الصهيونية تؤكد بأن السلطات العراقية تزج باسم إسرائيل في مشاكلها الداخلية، دون الاستناد الى حقائق أو أدلة. وأصرت إسرائيل – لتضمن عطف اليهود – على موقفها حتى بعد ما أدين الستة وحكم عليهم جميعاً بالإعدام.
هكذا .. سقطت أولى خلايا المنظمة السرية الصهيونية في العراق، التي تحركها الموساد، وتؤيدها سياسة إسرائيل، واستفادت المخابرات الاسرائيلية كثيراً من أخطاء شبكة "الكالب" التي أدت الى سقوطها، وأعد خبراؤها تقارير حوت ملفات عديدة عن كيفية التعامل مع العراقيين، وتلافي سقوط شبكات مستقبلية في قبضتهم.

لقد كان هناك صراع مرير، شرس، صراع عقول ونظريات وسياسيات، أو لنقل إنه صراع "أدمغة" يحمل الشر ونقيضه، يبدأ في تل أبيب، وينتهي في بغداد.
فهل وقفت الأدمغة في إسرائيل موقف المتفرج السلبي؟
لا، فهي أعادت تنظيم خططها، وهاجمت من جديد.


ولنا لقاء بأذن الله مع قصة خائن آخر



**[/align]
__________________

التعديل الأخير تم بواسطة ][ اسيل ][ ; 10-01-2005 الساعة 02:58 AM
][ اسيل ][ غير متصل  
قديم 10-01-2005, 08:54 PM   #3
جاكم العلم
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية جاكم العلم
 
تاريخ التسجيل: 11 / 10 / 2004
الدولة: دوحـــة الـــعـــز
المشاركات: 407
افتراضي

الخونة في كل زمان ومكان ..للأسف ...


وهذه القصص للعبرة من هؤلاء ....فلك مني كل الشكر أختي اسيل


فكما أنها للعبرة فهي مسلية وممتعة كقصة فقط ....





0
__________________




[poem font="Tahoma,5,indigo,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=2 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
ياصاحبي صديت عني وقفيت = وأنا موريك الغلا والحشيمة

تبي تمللني وانا منك مليت = مانيب من يرضى لنفسه هضيمة

أخلفت ظني فيك يومني أشقيت = أبي النعيم وصار ضده جحيمة

سيور ماتذكر ليا أصبحت وأمسيت = هاك الليالي إللي صفالك نعيمة[/poem]
جاكم العلم غير متصل  
قديم 10-01-2005, 11:43 PM   #4
نــــــوافه
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية نــــــوافه
 
تاريخ التسجيل: 1 / 10 / 2003
المشاركات: 3,339
افتراضي

[align=center]"
مجهود رائع ويعطيك العافيه ,,

تحياتي
[/align]
__________________
[align=center][/align]
[align=center]لا إله إلا الله العظيم الحليم .. لا إله إلا الله رب العرش العظيم ..
لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ...
[/align]
نــــــوافه غير متصل  
قديم 01-02-2005, 07:28 AM   #5
][ اسيل ][
عضو مشارك
 
تاريخ التسجيل: 7 / 9 / 2004
الدولة: مدينة الأحلام
المشاركات: 265
افتراضي

حياكم ربي جاكم العلم ونوافه


مشكورين عيوني ,,,,


ولاهنتم ,,,,,




( اسيل )
__________________
][ اسيل ][ غير متصل  
قديم 01-02-2005, 07:33 AM   #6
][ اسيل ][
عضو مشارك
 
تاريخ التسجيل: 7 / 9 / 2004
الدولة: مدينة الأحلام
المشاركات: 265
افتراضي

عبدالله الشيعي . .
جاسوس الموساد الدميم


دمامته .. أبعدت الحب عنه والصديق، فانطوى على نفسه، تغلفه الوحدة، وتفتته الحسرة والكراهية، يود لو أنه يمتلك المال ليشتري أصدقاء، ومحبين. لكن إنساناً على شاكلته. . يعيش منفرداً مزوياً، لم يجد إلا "الكولية" منفثاً بين أحضان العاهرات.. لقد أحب إحداهن بجنون لكنها رفضته زوجاً لدمامته، فانقلب بعدها وحشاً مسعوراً يبحث عن المال. . حتى ولو كان ببيع الوطن.. !!


بيت الكولية

من النيل الى الفرات، خريطة تحتل مساحة كبيرة على أحد جدران الكنيست الاسرائيلي تذكر اليهود بحلم دولة إسرائيل الكبرى، الذي لم يزل يراود خيالهم. فأرض فلسطين المغتصبة ليست جل آمالهم، فقط هي نقطة بداية وارتكاز، يعقبها انطلاق، وزحف في غفلة منا، لتحقيق الحلم الأعظم.

هكذا . . وعملاً بالتعاليم والأهداف اليهودية، تفشت ظاهرة الخيانة بين يهودي العراق، واستفحل هذا الداء واستشرى، خاصة في الستينيات من القرن العشرين، الذي نشطت فيه الحروب السرية بشكل لم يسبق له مثيل، إذ كلما ضبطت الأجهزة الأمنية في العراق إحدى شبكات الجاسوسية، تكونت بدلاً منها شبكتان، كأن الجاسوسية حالة إدمان يصعب شفاؤها.

وبرغم الأحكام القاسية والمفترض أن تكون رادعة، في ظل قانون حاسم قوي لا يرحم، إلا أن الخونة أخذوا في الازدياد والتكاثر، لا ترهبهم قصص الجواسيس المنشورة بالصحف، أو أحكام الإعدام التي تنفذ، فالدعاية اليهودية كانت تروج الأكاذيب، وتدعي أن محاكمات "العملاء" محض افتراء ودعاية محسوبة، لتخويف المتعاونين المخلصين مع الموساد، وإرباك تحركاتهم ونشاطاتهم، وبالتالي الوقوع في أخطاء قد تقودهم لحبل المشنقة.

من بين هؤلاء الخونة الذين صدقوا الأكذوبة الإسرائيلية.. عبدالله سليمان الشيعي العراقي ذو الجذور اليهودية.
ولد عام 1931 بمدينة "الحلة" الواقعة على نهر الحلة لأب عراقي وأم إيرانية كان أبوها يهودياً أعلن إسلامه كذباً. . وعندما وعى عبد الله الحياة، اكتشف حقارة مهنة أبيه "جسّاس المواشي" . لذلك سعى بشدة للتفوق في دراسته ليلتحق بجامعة بغداد، بعيداً عن الحلة التي كره الإقامة بها، وتحقق حلمه بعد طول معاناة.
فبعد أربعة أعوام في الجامعة حصل على ليسانس الآداب، وعمل بالتدريس بإحدى مدارس العاصمة، وكان عمره في ذلك الوقت خمسة وعشرين عاماً تقريباً.

لم يذق عبد الله للحب طعماً في الجامعة أو قبلها، فوجهه ذو الأنف الضخم، الذي يشبه أنف سيرانودي برجراك ، وفكه البارز جداً أبعد عنه الفتيات، بل وأخاف الأطفال منه، لذلك فقد افتقد الحب والصديق، وانطوى على نفسه تغلفه الوحدة، وتقتله الحسرة والكراهية.

لقد بدأت معاناته الحقيقية بمأساته في طفولته المبكرة، وفي المدرسة الاعدادية بحي الأعظمية، اكتشف دمامة أخرى في صوته، جعلت من مخارج الحروف نشازاً يضحك زملاءه بالمدرسة، ويجعله مصدر سخرية مؤلمة دائماً، فاهتزت ثقته بنفسه وملأه الحقد على كل من حوله، وود لو أنه يمتلك المال الذي يعوض دمامته، لكنه سرعان ما يدرك مدى افتقاده للاثنين معاً، ولم يكن من السهل عليه أن يفك عقده النفسية، أو يحس ببعض الرضا، فشرنقة من العقد أحاطته، وحبسته داخل ظلمة لا حدود لها، حجبت عنه الأمل في إشراقة تتبدل معها حياته.

إنسان على شاكلته يعيش منفرداً، مزوياً في أركان المجتمع، لم يجد له منفثاً إلا في "الكولية" حيث عثر على ذاته بين أحضان عاهرة بالغت في الاهتمام به كزبون دائم لا يضاجع سواها.

ذات مرة .. سألها عما دفعها لتمتهن الدعارة، فحكت له الكثير عن مأساتها، وكيف هربت من أهلها بعدما خدعها الحبيب، الذي مات في إحدى الحملات العسكرية على الأكراد، وكانت حاملاً منه، فلم تجد ملاذاً إلا بيت الكولية.
دموعها وهي تروي قصتها أوهمته بأنه أحبها. وسيطر عليه هذا الشعور الجميل، فلم ير غضاضة في عرض فكرة الزواج منها، ولكم كانت صدمته أشد قسوة رفضته العاهرة . . بسبب دمامته.

حينئذ . . تصاعدت مأساته الى ذروتها، وغادر بيت الكولية يجرجر خيبة أمله، تفوح منه الكراهية للحياة ولسائر الناس، وفي حجرته وقف أمام المرآة يتأمل وجهه، واستغرقه ذلك وقتاً طويلاً ليفيق على حقيقة أكدها لنفسه، أن الثراء أمر حتمي سيقرب الناس منه، ويجعلهم يتغاضون عن ملامحه الغير مقبولة فإن للمال سحراً خاصاً ووهجاً حلو المذاق يدير الرؤوس، فلا بد إذن من الوصول اليه مهما كانت المصاعب، وبدأ في تنفيذ سياسة تقشف كتلك التي تلجأ اليها الدول النامية لتحسين أوضاعها، وأقسم على ألا يفسد خطة حياته المستقبلية، في أحلك الأزمات عنفاً، بإنفاق دينار في غير مكانه.

كانت الدنانير الستة والثلاثين، وهي كل راتبه، مبلغاً محترماً في ذلك الوقت، وحسب الخطة التقشفية التي وضعها لنفسه، استطاع أن يدخر نصف راتبه، ممتنعاً عن أبسط مظاهر الرفاهية.

ومرت به خمس سنوات عجاف، اعتاد خلالها الحرمان والجوع والبرد، ضارباً بكل إغراءات الحياة عرض الحائط. حتى أقدم على خطبة فتاة فقيرة اسمها "سهيلة"، عاندها الحظ في اللحاق بقطار الزواج لحول واضح بعينيها، فوافقت على الزواج منه راضية بما قسم لها، وعاشا معاً بمسكن متواضع بحي الكاظمية، كلاهما يشعر ببساطة حظه في الحياة، واغتراب ليس بمرتحل.

بعدما استنزف الزواج غالبية مدخراته، هاجت لديه أحلام الثراء من جديد، فانبرى بسهيلة ذات ليلة يذيقها معسول الكلام، ثم فاتحها بفكرة راودته طويلاً من قبل، وهي استئجار مطعم صغير بثمن مصاغها، تقوم على إدارته بنفسها طوال تواجده بعمله، لكنها بدلاً من الموافقة أعلنته بخبر مولودهما القادم، فزلزله الأمر وغرق في تفكير عميق، فمن أين له بمصاريف الضيف القادم؟ وأخيراً لم يجد مفراً من العمل فترة مسائية، فجاب شوارع بغداد يسعى الى عمل إضافي، الىأن اهتدى بعد لأي ليهودي اسمه خوجه زلخا، كلفه بمساعدة ابنته المعاقة في دروسها.
سر عبد الله كثيراً ولم يضيع وقتاً، وقال في نفسه إنها فرصة طيبة يجب أن يستغلها جيداً، إذ ربما تفتح له أبواباً أخرى للرزق.


العسل المعسول

قادته الخطى الى حي الرصافة بوسط بغداد، حيث بيوت الأثرياء ذات الحدائق والأسوار، وقصور طالما مر أمامها كثيراً فتثور برأسه آلاف الأسئلة، ويردد:

هل ساكنوها تسلعهم أحياناً عضات الجوع والعوز؟
أي أناس هم؟
وكيف يعيشون على ضفة دجلة؟



أفاق أمام منزل خوجة زلخا، وقاده خادم عجوز الى حجرة الصالون، فراعه كل ما وقعت عيناه عليه، وانتبه لخطوات تبدو قادمة، فقام مسرعاً وتهيأ للقاء، وبينما يهذب قميصه ويتحسس هندامه، كانت هي بالباب تبتسم، اقتربت منه محيية مرحبة في لطف، وعندما مدت يدها اليسرى للسلام، لاحظ قصراً كبيراً بيدها اليمنى، ناتجاً عن عيب سببه لها شلل الأطفال، دخل في إثرها زلخا مرحباً ودوداً، وهتف قائلاً: "ابنتي إيرينا" التي جئت من أجلها، أريدك أن تعلمها الإملاء والحساب، ودعاه لزيارة تلميذته في أي وقت، ولا يبخل عليها بعلمه الغزير.

جلس عبدالله كالتلميذ أمام إيرينا ذات السبعة عشر ربيعاً، ألجم حسنها لسانه، وانتشى لبشاشتها معه وتبسطها في الحديث، ولم يلحظ في عينيها تلك النظرة الموجعة التي اعتادها طوال سني عمره الـ 35، فأحاط نفسه بأفكار وأوهام عديدة، صورت له خيالات الحب وارتعاشات نبضاته، وود لو أنه لثم أظافرها في خلوتهما التي تطول وتطول، فلكم كان يتمنى ألا يمضي الوقت لينصرف مغادراً قصر الأحلام ومليكته، الى منزله الرطب الموحش ووجه سهيلة الحولاء.
اختلس ذات مرة لمسة من يدها، بدت كما لو أنه يعلمها ضبط الحروف، فاقترب بوجهه منها، وحانت منه التفاتة الى صدرها المتكور في أنحناءاتها، فانتفض بدنه كله لمرأى الوادي الأسيل، وأسكرته رائحة العطر الفواح يتخلل جسدها المثير، وشهق كمن يستغيث فانتبهت، وأدارت وجهها فجأة تجاهه فلامس خدها خده، لينكب كالثور الجائع على شفتيها يمتص رحيق الشهد ومذاقات العسل المعسول.

غابت الصغيرة بين أحضانه مستسلمة وهو يداعب أنوثتها، ويوقظ لديها رغبات دفينةى تأججت نيرانها، وعاد بعدها زاحفاً الى بيته لا يدري كيف حملت ساقاه سكيراً لم يذق خمراً. . !؟
لقد نشأ منذ البداية هشاً كارهاً للناس، ناقماً على ظروفه ودمامته، يحلم بالمال الذي سيجلب له العطف والحب، وعندما أدركهما عند إيرينا المراهقة اليهودية، أسلم قياده بل حياته كلها رخيصة لأجل لحظة حب.

هكذا يسقط الضعفاء سقوطاً مدوياً سهلاً وقد عصرتهم المعاناة بأشكالها المختلفة، فهم تمردوا على واقعهم وداسوا القيم، لأجل لذة ما حرموا منها، والبحث عن هؤلاء في خضم البشر المتماوج، هين عند الخبراء وصائدي الجواسيس، ذوي الأنوف الماهرة في التقاط رائحة الضعف لديهم.

وقد يتساءل القارئ: ماذا سيقدم هذا الدميم المزوي المنبوذ الى المخابرات الاسرائيلية؟ والمتتبع جيداً لقصص الخونة، سيرى أن حالة عبدالله الشيعي ليست فريدة في عالم الجاسوسية، فالموساد كغيرها من أجهزة المخابرات العالمية الأخرى، تتخير جواسيسها من كل الفئات والألوان والثقافات دون تمييز، فما يهم هنا هو الإخلاص في العمل. . والولاء اللانهائي.

فقد كان هناك الجاسوس المصري سليمان سلمان، راعي الإبل ابن سيناء، الذي كان لا يقرأ ولا يكتب، جندته الموساد بعدما محت أميته، ودربته تدريباً مكثفاً على فنون التجسس، وابتركت له شفرة خاصة تعتمد على الحروف الأبجدية العربية والصور، يستطيع بها بث رسائله من خلال جهاز اللاسلكي المتطور الذي سلموه له، فماذا كانت الموساد تنتظر من هذا الأمي، الذي سقط وأعدم بسبب خيانته وغبائه؟ إذن فلا نندهش أمام حالة هذا الجاسوس العراقي الدميم. . !!
فعالم الجاسوسية الغامض المثير مليء بالأسرار والمتناقضات، لذا. . فهي حقاً مثيرة جداً، قصص الخونة والجواسيس، تستهوي العقول على اختلاف مداركها وثقافاتها، وتنقلها الى عوالم غريبة، مختلفة، تضج بعجائب الخلق وشواذ الأنفس، فعلماء الإجتماع والسلوك عجزوا في فهم أولئك الخونة، وفشلوا في الكشف عن بذور الخيانة لديهم، أين توجد؟ .. وكيف تمددت لتتشبث جذورها بالشرايين عندهم والخلايا وتتحول في لحظات الى أحراش مظلمة بأعماقهم؟ فلكل جاسوس قصة، ولكل خائن حكاية غلفها العجب، وسربلها الجنون، وإنني بالرغم من مئات الكتب والدراسات التي قرأتها عن هذا العالم الغامض المثير، لا زلت أشعر بجهلي الشديد أمام طلاسمه، ويزيد يقيني بأن وراء كل خائن سراً غامضاً وداءاً مجهولاً لسنا ندركه، ودائماً هناك السؤال: خلايا الخيانة عند البشر . . أهي مثل الذرة تنشطر حتى تغلب العقل كله فتدمره وتسحق الضمير . . ؟!!



جاسوس تحت التمرين

لم يدر بخلد عبد الله الشيعي أن هناك عقولاً تخطط كي يسقط، أو أن إيرينا الصغيرة التي بشت له، كانت وسيلة جره واصطياده، وكانت بشاشتها وملاحتها مجرد طعم لاستدراجه الى وكر الجاسوسية، فبعدما احتواها في المرة الأولى، استعذب مذاقها وطمع في المزيد، فنهرته بلطف أقرب الى تمنع الرغبة.
ففي بيتها التقى باليهودي الإيراني عوازي سليمان، عميل الموساد المدرب، ودارت بينهما الأحاديث المطولة، التي استشف منها العميل أن عبد الله لا يحلم سوى بالثراء، فلعب جيداً على هذا الوتر، وطير بخياله الى أحلام طالما عايشته في اليقظة، فتهفت نفسه الى صعود درجات الغنى، مهما كان الثمن فادحاً.
ولتكتمل خطوط القصة. . أوهمه عوازي بأنه يمتلك عقلية فذة، وهو بحاجة اليه لإدارة إحدى مؤسساته التجارية التي يزمع إقامتها في بغداد، ومنحه مائتي دينار مقابل عمل دراسة اقتصادية للسوق.
نشط عبدالله في البحث والتحري، وكتابة تقارير اقتصادية مستمدة من ملفات وزارة الاقتصاد، حصل عليها بمساعدة زميل دراسة اسمه جواد مقابل أربعين ديناراً.

أدهشت التقارير عميل الموساد، إلا أنه أخفى دهشته وادعى تفاهتها، وفوجئ عندما صارحته إيرينا في انفرادهما بأنها تحبه، وطلبت منه أن يبذل قصارى جهده في التعاون مع عوازي، كي تنتعش أحواله المادية فيتزوجا. فقد عقله أمام اعترافها بحبه، ولم يسأل نفسه لماذا؟ أعبقرية فجائية ظهرت عليه؟ أم أن دمامته تبدلت بوسامة جون كونري، وجاذبية كلارك جيبل؟ خاضعاً وعدها بألا يتوانى في العمل من أجل الفوز بها، عازماً على خوض الصعاب بلا ضجر أو كلل، هكذا كانت البداية. ومن هنا تبدأ عملية صناعة الجاسوس !!

كان على قناعة تامة بأنه "أخضر" لم يشب بعد، ولذلك استسلم لمعلمه عوازي يشرب على يديه حرفته الجديدة، فأخضعه لدورات أولية في جس نبض الشارع، واستطلاع آراء العامة من الناس في السياسة والاقتصاد، وكيفية تلقط الأخبار والأسرار، زاعماً له أن هذا مفيد جداً للمؤسسة التجارية، حريصاً على ألا يتفهم الجاسوس الجديد طبيعة مهمته، حتى لا يتصرف بحماقة فتفشل المهمة.

وانطلق عبد الله بجمع المعلومات ويحصدها حصداً، لعله ينال رضا إيرينا وعوازي فتتبدل حياته، ويقترب من تحقيق الحلم، وللمرة الثانية يتهمه العميل الاسرائيلي، بأنه يجلب معلومات مهمشة لا قيمة لها ولا نفع، فيسأله عبد الله سؤالاً ساذجاً: ما لهذه الأمور والمؤسسات التجارية؟

وكأنه ضغط على مفتاح تفجير الديناميت بسؤاله البريء، ما الذي جرى؟ سألت إيرينا محتدة . . تلعثمت الإجابة على لسانه، وعاوده شعوره القديم بالخوف والضياع، وصرخت به ثانية تسأله: ماذا فعلت؟ لم ينطق. الدهشة الممزوجة بتقلصات التوتر تملأ وجهه. يتركهما عوازي ويخرج فتعاوده جرأته شيئاً فشيئاً فيسأل إيرينا: ما العمل؟ تتركه هي الأخرى يغرق في اضطرابه، وتلحق بعوازي في حديقة المنزل.

كان عوازي هادئاً مبتسماً على عكس حاله مع عبدالله منذ ثوان. وحدثها ببضع كلمات فعادت الى تلميذها الخائب، فما ألطفه من تلميذ يجلس على حافة المقعد يفرك يديه قلقاً. . تستغيث بها نظراته اللهفى..
برقة فيها ملاحة وذكاء، أفهمته مدى الخطأ الذي ارتكبه عندما سأل عوازي، وطلبت منه ألا يعاود السؤال مرة أخرى عما يطلب منه من معلومات أو إيضاحات. فالعمل التجاري سوف يفشل إذا لم تكن هناك دراسة متأنية عن أحوال البلد تجارياً. . واقتصادياً .. وعسكرياً..

دخل عوازي الغرفة في تلك اللحظة ليقرأ دهشة عبد الله فيعقب: نعم يا صديقي، مهم جداً أن نعرف كل شيء كي لا نضحي بأموالنا هباء. نحن مجموعة من رجال الأعمال الإيرانيين، نود إقامة مشروعنا في أمان، فماذا لو أن هناك اضطرابات في السوق العراقي؟ ألا يجب أن نطمئن لنعمل بثقة؟ فاستقرار السوق هنا واضطرابه له صلة وثيقة بالسياسة. والجيش يتحرك ويتطور تبعاً للسياسة.

وضحت المسألة إذن؟ سألت إيرينا وأردفت: قم معي عبدالله اشتقت الآن لدروسي.
أغلقت حجرتها وراءهما قبل أن تستجيب لشراهة قبلته، وطالبته راجية بألا يقصر في مهمته التي ستعود عليهما معاً بالخير الوفير !!

منذ ذلك الحين انطلق عبدالله بلا أدنى خوف أو قلق، تدفعه رجاءات إيرينا ولهفته عليها، وبعد أربعة أشهر اكتشف حقيقة مهمته وظن أنه يعمل لصالح السافاك في إيران، وبرغم ذلك. . لم يتوقف أو يتخذ مساراً عكسياً، فقد كان المال وما يزال حلمه الأول الذي يسعى اليه، أما إيرينا فكانت حلمه الثاني الذي لن يتحقق إلا بالأول.
تعهده عوازي في كل زيارة له بدورات تصقل موهبته في إدارة الحوار، وملاحظة الأشياء بعيني جاسوس فاهم، وكانت لقاءاتهما تتم كالعادة في منزل خوجة زلخا، الذي اصطحب أسرته على حين فجأة الى إيران، ودون أن تودعه الحبيبة الصغيرة إيرينا الوداع الأخير.

صدمته كانت قاسية برغم تأكيدات أستاذه بعودتهم، إلا أن إحساساً تملكه بأن لن يراها مرة ثانية، فقد وقعت نكسة 1967 واتسع جرح الألم العربي، وظلت زوجته لأيام طوال تبكي فتعجب لأمرها، وقال لنفسه: لو لم تكن هذه الحرب ما هربت إيرينا، ألا ينتهي هذا الصراع وتتوقف الحروب؟


البحث عن خونة

. . ليس من السهل شراء الذمم فجأة. بل يتم ذلك بعد دراسة مستفيضة لكل الظروف النفسية والاحتمالات، هكذا يقر خبراء أجهزة المخابرات السوفييتية، أول من وضعوا قواعد علمية ثابتة للسيطرة على الجواسيس.
إلا أن رجال الموساد – في حالات كثيرة – يرفضون العمل بنظرياتهم، فبينما يرى السوفييت أن محاصرة الشخص المطلوب تجنيده ومباغتته في أسرع وقت، دون أن يجد فرصة للتفكير، أسهل وسيلة لإخضاعه إذا ما كانت هناك أدلة – ولو ضعيفة – تدينه. ونجحوا في تأكيد ذلك من خلال تجنيد دبلوماسيين غربيين ذوي شأن، سقطوا بسهولة مدهشة في قبضتهم دونما مقاومة.

على النقيض من ذلك نجد أن الموساد قد تلجأ لوسائل وحيل غريبة، تستغرق وقتاً أطول من اللازم لإخضاع الجواسيس، والثقة في نظرية "تليين الهدف المتدرج" وعدم اللعب بأعصابه، أمر مهم عند الموساد.
فهناك خونة كثيرون سقطوا في براثنها دون أن يعلموا بأنهم عملاء لها. إنه إذن في الإقناع والايحاء، ودراسة سلوك العميل ومداركه واعتقاداته، والمقدرة على تشكيل آرائه وثقافته من جديد، بما يخدم قضيتهم التوسعية وأمنهم.
هذا التباين في أسلوب السيطرة ومدته، نلحظه أيضاً في شتى أجهزة الاستخبارات. فلكل جهاز أسلوبه القائم على نظريات وضعها خبراء متخصصون، ولكنه يؤدي في النهاية الى اصطياد العملاء وتجنيد الجواسيس، وهذا هو المهم. خطا عبد الله خطواته الأولى كجاسوس، يعتقد بأنه يعمل لصالح المخابرات الإيرانية "السافاك" ونشط جاهداً في البحث عن أخبار القواعد الجوية القريبة من بغداد – وبالأخص قاعدة الرشيد الجوية -، وملاحظة التغييرات والتجديدات بها. واستطاع أن يتوصل لأسماء أنواع جديدة من الرادارات السوفييتية، وعندما حمل كاميرا التصوير الصغيرة، التي في شكل ساعة اليد، عجز عن تشغيلها بمهارة وارتجف ساعده، وخبأ الميكروفيلم بقاع سحري بحقيبة يد صغيرة.
وفي رحلة أخرى لمعاودة التصوير اصطحب معه زوجته، وفي الطريق بقرب إحدى القواعد العسكرية، لاحظت سهيلة توتره وإتيانه بحركات غريبة ويده على كتفها.

لم تفهم في بادئ الأمر، ولما حدقت في الساعة الغريبة بعيني فاحصة، أدركت الحقيقة. فكتمت سرها وراحت تراقب أفعاله وتصرفاته. . حتى اكتشفت مخبأ "الساعة الكاميرا" في كعب حذائه الجديد، فأسرعت الى مخفر الشرطة بالقرب من المسكن، ولم يصدق الضابط الصغير اعترافها، فأبلغ فوراً الأجهزة الأمنية المختصة. وتقوم حملة مفاجئة تكتسح الدار فجراً أثناء نومها، فترشد سهيلة عن الكاميرا، ويصعق عبدالله لا يصدق أنها النهاية، وبينما عملية التفتيش مستمرة يغافل حراسه ويضرب راسه في عنف بالحائط، ويحملونه بأنهار دمائه الى التحقيق، وكانت أدلة خيانته المضبوطة، بالإضافة الى اعترافه، تذكرة دخوله لحجرة الاعدام.

هكذا غاصت أحلام الدميم في قاع الوهم، وظل طيلة أشهر المحاكمة مصراً على أنه متورط مع السافاك لا مع إسرائيل، لكن القرائن كلها كانت تدينه، وتؤكد عمالته للموساد. إنها الحالة الأولى لجاسوس عراقي، خدعه أستاذه وأقنعه بأنه عميل لإيران، أو لنقل أنه ربما ادعى ذلك حتى آخر لحظة لينجو من الإعدام.

أيضاً. . إنها إحدى الحالات القليلة لجواسيس يعملون منفردين في العراق بلا شركاء، أو شبكة من العملاء المحليين.
وفي زنزانته الانفرادية الضيقة قبل إعدامه بأيام قليلة، أصيب بمغص حاد كاد يفتك به فنقلوه الى المستشفى وأجروا له عملية الزائدة الدودية، ثم عاد الى السجن ليعد شنقاً في 28/3/1968، وعثروا في زنزانته على دفتر صغير سجل به مذكراته، وضمنه أدق تفاصيل حياته وآماله التي لم تتحقق، وقد أفرد مساحة كبيرة لوصف حبه لإيرينا، وثقته بأنها أحبته كما أحبها.

لقد عاش عبدالله سليمان معقداً. . مطحوناً. . واهماً. .
وأعدم وهو ما يزال واهماً .. تحفه خرافات المشاعر، يأبى أن يصدق أنه كان غبياً.. أبلهاً..
أما سهيلة. . فقد وصلت أمنيتها لمسؤول كبير، فأرسل بها الى "يوغوسلافيا" لإجراء عملية جراحية تقضي على "الحول" نهائياً، وزف اليها خبر إعدام عبدالله، فعادت الى منزلها تترقرق بعينيها الدموع .. دموع الحسرة، على مصير رفيق حياتها . .الخائن .. !!
__________________
][ اسيل ][ غير متصل  
قديم 02-02-2005, 01:26 AM   #7
عابر سبيل
عضو
 
تاريخ التسجيل: 9 / 12 / 2004
المشاركات: 141
افتراضي

قصص روعة وواقعية ووتحمل من العبر الشيء الكثير ...


واصلي أختي أسيل ولك شكرى مقدماً






أخوك





( عابر )
__________________


[align=center]عــــــابـــــر ســــبـــيـــــل[/align]
عابر سبيل غير متصل  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
( الرقية ) الشافعي منتدى الشريعة والحياة 3 14-10-2006 04:08 AM
الرقية الشرعية بقايا جروح مكتبة المواقع الاسلامية 2 17-09-2006 12:29 AM
جواسيس بغداد ابن الكويت منتدى السياسة والإقتصاد 2 29-03-2003 12:02 AM


الساعة الآن 08:52 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ...ولا تعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر المنتدى